ابن فرحون
38
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
مررت عليه مع جماعته ذاهبا إلى سيدي الشيخ أبي محمد البسكري وهم جلوس بين باب النساء وباب جبريل صفّا واحدا ، أقول بأعلى صوتي : السلام عليكم ، فيردون كلهم حتى تسمع لهم لجة عظيمة ، ثم ينادوني ، ويقولون : خذ جزاء تحيتك ، فيعطيني كل منهم على قدره ، وأول من يبدأني الشيخ - رحمه اللّه - وأحيانا يذهب بي إلى بيته ويخرج الكيس من خرزة حجر أعرف اليوم مكانها من البيت ، فيعطيني ويبرني ويفرح بي جزاه اللّه خيرا ، وأعظم له أجرا ، توفي عزيز الدولة سنة سبعمائة . ثم خلفه في المشيخة : [ « 2 » شبل الدولة كافور المظفري المعروف بالحريري - رحمه اللّه . ] كان من أحسن الناس شكلا ، وأتمهم كمالا ، وكان مهيبا قد ملأ قلوب الشرفاء رعبا ، كان إذا انكسر قنديل ، أو وقع تجصيص يصيح حين وقعته صيحة يغلب بها ، يرجف أهل المسجد من قوتها وعظم مبلغها . وكان يقول : إنه توءم ، مات أخوه بعد أن ولدتهما أمهما ، وكان له على الأميرين سلار وبيبرس الجاشنكير دلية بتربيته « 1 » ، حتى إنهما لما حجا والوه بأحسن الموالاة ، فكلمهما في بناء المنارة التي بباب السلام اليوم ، فأنعما ، ثم إنه خشي أنهما يشتغلان بملكهما عن ذلك ، أو يستثقلان النفقة على عمارتها ، فقال : أنا لا أطلب منكما مالا ، عندي من قناديل الذهب والفضة ما يقوم بها وزيادة ، فأنعما له بإرسال الصناع ، وشرع هو في تحصيل الحجر والمؤنة بينما يأتي الحاج ،
--> ( 2 ) من مصادر ترجمته ( الدرر الكامنة 3 / 261 ، التحفة اللطيفة 3 / 425 . ( 1 ) في المطبوع : ( بتربية ) والمثبت من الأصل .